الأرض المحروقة في عرسال
17 شوال 1438
أمير سعيد

فاتورة الدم الباهظة التي يدفعها العرب خلال السنوات الماضيات لم تعد تفي لخبر حول مقتل نحو عشرين لاجئاً سورياً في مخيم عرسال باهتمام إسلامي وعربي كبير، وفي منطقة متخمة بملفات شائكة كثيرة يبدو الالتفات لفاجعة كاقتحام الجيش اللبناني لمخيم عرسال السوري ترفاً إعلامياً واجتماعياً!

 

 

قطرة دم مسلمة واحدة غالية، وإن ضاعت وسط أنهار دماء الشهداء في المنطقة، لكن هناك ما يضاعف أهميتها حين تُسبر أغوار عمليات كهذه تستهدف أبرياء لاجئين تحت لافتة مكافحة الإرهاب، يتذرع بها لحملة ترهيب لا تستهدف إرهابيين بل مدنيين لا حول لهم ولا قوة كتلك الطفلة الشهيدة التي قتلها الجيش اللبناني في نهاية شهر يونيو الماضي.

 

 

الكتابة على ظهور اللاجئين وتقييدهم ملقين على وجوههم في ساحات اللجوء وقتل الأطفال وحرق الخيم وقتل الموقوفين وهم تحت أمانة السلطات الأمنية، لا يمكن تبريره أو إدراجه تحت عنوان مكافحة الإرهاب؛ فحيث تهاجم أفواج النخبة في الجيش اللبناني مخيمي النور والقارية وتقتل نحو عشرين وتعتقل ما يفوق عدده 400 لاجئ وتشرد المئات بعد حرق خيمهم؛ فإن المسألة تمس أكثر من 120 ألف لاجئ سوري في بلدة عرسال، وتتسع آثارها تهديداً لأكثر من مليون وربع المليون لاجئ سوري وضعوا تحت رحمة "حزب الله"، وميليشياته التي لا ترحم بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث صودرت السلطة اللبنانية لصالح الحزب الطائفي الموالي لإيران.

 

 

لا يدخل اقتحام عرسال المتاخمة للحدود السورية، والتي لها خصوصية استراتيجية عالية، كونها تعرقل بدرجة ما استراتيجية إيران في تأمين دولة طائفية مجاورة للبنان تضم محافظات عدة أبرزها حمص، ضمن سياق مكافحة الإرهاب يقيناً؛ فحتى الإعلام الموالي لـ "حزب الله" لا يقصر هجمات الجيش والحزب على هذا المسوغ؛ فهذه النهار اللبنانية تؤكد وفقاً لمصادرها الصحفية "أن قرار طي ملف "تحرير عرسال" قد اتخذ وأن تنفيذه سيتم قريبا على أيدي مقاتلي "حزب الله"، الذي لديه - بحسب الصحيفة - كما لدى للبنان أو بعض رموزها وجهات حزبية وشعبية عدة، هاجس بقاء النازحين السوريين على أرضهم".

 

 

هذا "الهاجس"، الذي ساقت له تبريراً فاقعاً بأن الحزب يرى القلمون والساحل السوري ودمشق وحلب قد صارت "آمنة"، بوقوعها تحت سيطرة قوات "الحكومة السورية"، ولهذا فإن قادة الحزب – وفقاً للصحيفة – "يسعون إلى إرجاعهم إلى سوريا قبل انتهاء الحرب هناك"، وكأن هؤلاء اللاجئين لم يفروا سوى من الحرب، مصادرة حقهم في اللجوء وفقاً للقانون الدولي.

 

 

الخطير فيما تقدم، أننا قد نشهد عملية إعادة لاجئين رغماً عنهم إلى بلاد قد فروا منها بسبب ويلات الحرب والقمع الموازي لها، وتلك سابقة ستفتح المجال لإعادة جموع من اللاجئين في العالم بالإكراه تحت تفسير أحادي ظالم بأن مبررات لجوئهم قد ولت، وأن عليهم العودة إلى بلدانهم دون السماح لهم حتى باختيار بلد آخر للجوء إليه.

 

 

بالتوازي، ثمة أصوات زاعقة، وحملة عالية النبرة في تركيا لشيطنة ملايين اللاجئين السوريين للضغط من أجل إعادتهم لبلادهم قسراً أو تحويلهم لبؤرة صراع داخلي في بلد اللجوء أيضاً، ما يثير تساؤلاً منطقياً عن تحرك "حزب الله" والجيش الخاضع له ضمن سياق حملة إقليمية لإعادة تشكيل سوريا قبل تقسيمها على نحو يرضي صناع القرار الدولي، ولا يأخذ باعتباره آلام اللاجئين ومعاناتهم المستمرة.

 

 

ولما تقدم، تلك السابقة لن تستثني جنسيات أخرى من العودة أو التحريك القهري للاجئين في المنطقة بما ينذر بمخاطر عديدة لشعوب المنطقة العربية، وهذا بدوره يفتح بوابة التساؤلات حول مستقبل المنطقة وطريقة "حل" مشكلاتها ضمن أطر لا أخلاقية تؤسس لشرعة غاب تكسح فيها جموع البشر في المنطقة لتنفيذ مخططات مروعة للمنطقة دون التفات من نظام أممي لم يعد يكترث بالجوانب الإنسانية التي تتعلق بحقوق اللاجئين وحصانة مخيماتهم ومناطقهم الآمنة المفترضة، ويتركهم فريسة سهلة للميليشيات التي تستخدمهم على نحو يحقق مآربها الدنيئة.

 

 

غير بعيد، كانت الأخبار تتحدث عن اللاجئين الأفغان في إيران، الذين "نجحت" طهران في الزج بهم في أتون حربي سوريا والعراق تحت عنوان "فصائل الحشد الشعبي"، هؤلاء اللاجئون الذين وجدوا أنفسهم يخوضون حرباً ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، منخرطين في معارك لا يدرون فيها لماذا قَتلوا أو قُتلوا فيما تحصد إيران نتائج استخدامهم كوقود معركة استنزاف للطرف الآخر لا تنتهي.

 

 

سياسة الأرض المحروقة لم تقتصر على هذه الفاتورة المتقدمة؛ فنحن بين عشية وضحاها بانتظار سماع أنباء ما قالت مصادر الحزب إنها ساعة الحسم، ساعة الحسم ضد لاجئين أبرياء عزل!  وإن حصل، فإن الباب سيشرع أكثر نحو تغييرات ديموغرافية هائلة في المنطقة تستكمل مع حصل في سوريا والعراق، وقبلهما فلسطين، وتلك الأخيرة التي يرشحها البعض للتعرض لمزيد من التهجير؛ فإذ يمارس "حزب الله" مساعيه لإعادة لاجئين سوريين إلى لبنان، لبلادهم تحت لافتة عودة الهدوء إلى مناطقهم؛ فإن  فلسطين لن تشهد عودة للاجئيها تحت اللافتة ذاتها؛ فقانون الغاب الذي يحكم عالم اليوم لا يطبق بنوده بوتيرة واحدة، إذ إن غايته في تحريك جموع اللاجئين في رحلات الشقاء هو تحقيق أمن الكيان الصهيوني ومن يجاريه ليس إلا.  

 



1 + 4 =