وتستمر المؤامرة على "الأقصى"
27 شوال 1438
خالد مصطفى

محاولة الاحتلال الصهيوني السيطرة على المسجد الأقصى والإجراءات الأخيرة التي اتخذها من أجل فرض الأمر الواقع ليس بالأمر الجديد بل هي حلقة من حلقات التآمر الصليبي ـ الصهيوني الممتدة عبر سنوات طويلة..

 

فقد كان أول دخول للمسلمين إلى المسجد الأقصى في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين بدأت الفتوحات الإسلامية، في السنة الـ 15 للهجرة حيث تسلّم مفاتيح بيت المقدس، ونَعِم المسجد الأقصى بالأمن والأمان في ظل دولة الإسلام لمئات السنين، إلى أن بدأت الحروب الصليبية حيث  تمكّن الصليبيون من احتلال المسجد الأقصى، ودخلوا ساحات المسجد الأقصى وارتكبوا فيه أبشع المجازر حين قتلوا سبعين ألفاً في ساحات المسجد الأقصى، واستمر احتلال المسجد الأقصى لـ92 سنة، إلى أن جاء الناصر صلاح الدين رحمه الله الذي عمل على جمع المسلمين لتحرير المسجد الأقصى وأعاده إلى بلاد الإسلام، وعاش في كنف الإسلام قروناً ينعم بالأمن والأمان إلى أن عادت الحملات الصليبية مع بداية القرن العشرين...

 

فبعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 - التي تقاسم فيها الغرب بلاد الامبراطورية العثمانية التي كانت تمثل دولة الخلافة الإسلامية – بدأت الحروب الصليبية الصهيونية من جديد، من أجل استعادة أرض القدس، وإقامة وطن لليهود على أرض فلسطين...

 

وكانت بداية ذلك مع ما عرف بوعد بلفور عام 1917، حيث أعطى وزير خارجية بريطانيا وعداً لليهود بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين، ومع ذلك الوعد بدأ العمل والتنفيذ وتحقيق ذلك الوعد حين وقعت أرض فلسطين تحت الاحتلال البريطاني في عام 1917، حين دخل الجنرال اللنبي أرض بيت المقدس، ودخل أرض القدس وأعلن تلك المقولة: (اليوم انتهت الحروب الصليبية)، يوم جاء إلى قبر صلاح الدين في دمشق وركله بقدمه وأشار بسيفه وقال له: (قم يا صلاح الدين، ها قد عدنا)...

 

وابتدأت الحرب الصليبية الصهيونية، وبدأ ما سُمي بالانتداب البريطاني على أرض فلسطين الذي سهّل لليهود وأعطاهم كل الحقوق والامتيازات، فسمح لهم بالهجرة إلى أرض فلسطين، وسمح لهم بشراء الأراضي وإقامة المستعمرات، وجهزهم بالسلاح، وأمدهم بالمال والرجال، ودبّر وخطّط إلى أن جاءت نكبة عام 48 حين أعلن عن قيام الكيان الصهيوني، وكانت نكبة المسلمين في فلسطين...

 

واستمرت الأحداث وصولاً إلى شهر يونيو عام 67 حيث أكمل اليهود احتلالهم لما بقي من أرض فلسطين وما جاورها من الجولان وسيناء، وكان في مقدمة ما استولى عليه اليهود القدس كاملة بما فيها المسجد الأقصى المبارك، وهكذا خضع المسجد الأقصى لاحتلال اليهود. وتتوالى الأحداث في ساحات المسجد الأقصى حيث قام اليهود في أغسطس عام 69 بإحراق المسجد الأقصى في محاولة لإزالته ولهدمه من أجل إقامة ما يسمى الهيكل....

 

واستمرت المؤامرات، وتوالت محاولات اقتحام المسجد الأقصى وإقامة الحفريات تحته، من أجل تصديع بنيانه وأساسه...

 

ما يجري في الأقصى الآن هو امتداد لهذا التاريخ الطويل, والخطورة أنه مع مرور الزمن أصبح رد الفعل الرسمي العربي والإسلامي أقل بكثير من طموحات الشعوب وهو ما أغرى الاحتلال الصهيوني باتخاذ المزيد من الإجراءات القمعية التي كان آخرها إغلاق المسجد الأقصى بشكل كامل في وجه المصلين وتركيب البوابات الإلكترونية والاعتداء على المعتصمين والمحتجين بوحشية وتجاهل المطالب الدولية التي وجهت على استحياء له من أجل تهدئة الأوضاع...الإجراءات الصهيونية تأتي في وقت أعلن مسؤولون أمريكيون أن نقل السفارة الأمريكية للقدس "هو مسألة وقت" مع الدعم اللامحدود من إدارة ترامب للكيان المغتصب...

 

وفي وسط هذه الأجواء السلبية لا يمكن أن ننسى الموقف البطولي للفلسطينيين الذين وقفوا يدافعون عن الأقصى بصدورهم رافضين التسليم بإجراءات الاحتلال الغاشمة كما لا يمكن أن ننسى موقف العديد من الشعوب العربية والإسلامية التي انتفضت تضامنا مع المسجد الأقصى المبارك ودعما للموقف المشرف للفلسطينيين الذين أكدوا على تضحيتهم بأرواحهم من أجل الأقصى...

 

أكثر ما يخافه الاحتلال الصهيوني هو انتفاضة الفلسطينيين التي جربوها من قبل وحرمتهم الراحة وأصابتهم بالرعب والقلق وهي الورقة الأقوى في أيدي المسلمين والعرب الآن مع تخاذل الموقف الدولي وتراجع الموقف الرسمي العربي...

 

هذه الانتفاضة التي تفجرت اليوم في "جمعة النفير" كشفت عن استمرار روح الصمود في نفوس الشعب الفلسطيني رغم تكالب الأعداء وتوحشهم وهي الرهان الأقوى لهزيمة المؤامرة .

3 + 0 =
محمد علي يوسف
مؤسسة الموصل
د.مالك الأحمد