رفع العقوبات عن السودان.. العصا والجزرة
4 صفر 1439
أحمد الصباحي

أخيراً قررت الولايات المتحدة الأمريكية رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان بعد أكثر من 20 عاماً من الحصار والمقاطعة ومنع حركة الاستيراد والتصدير، مما أثر على واقع اقتصاد السودان وجعله خارج المنظومة المالية العالمية.

بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فرفع العقوبات الاقتصادية عن السودان جاء بعد اختبار طويل وفق ما أسمته الاجراءات الايجابية في وقف الأعمال العدائية في مناطق النزاع وتحسين وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع مناطق البلاد، وهي بصورة أخرى الخضوع للمواقف الأمريكية والتنازل عن الكثير من المواقف السابقة وفتح صفحة جديدة مع واشنطن.

ربما أن السودان كانت مجبرة لكي تعود إلى الحضن الأمريكي فكل الظروف الاقليمية والدولية والظروف الحياتية التي يعيشها الشعب السوداني نتيجة الحصار الذي طال زمنه كانت سبباً محورياً لكي تتنازل من أجل الحصول على بعض الحقوق ورفع تلك العقوبات.

بالنسبة للكثير من السودانيين فقد ابتلعوا الطعم وفرحوا كثيراً برفع العقوبات الاقتصادية وبدأوا يحسبون الحسابات لما بعد رفع العقوبات، متجاهلين نقطة هامة في بيان رفع العقوبات وهي إبقاء السودان في لائحة الدول الراعية للإرهاب، وبعض العقوبات المتعلقة بالنزاع في دارفور.

الولايات المتحدة الامريكية لا تريد رفع كل العقوبات عن السودان، بل تريد أن تخضع البلد تحت المقايضة والتهديد بين وقت وآخر، فلا هي رفعت العقوبات كاملة، ولا هي أبقتها كاملة، بل جعلتها في الوسط، كوسيلة للترويض والتهديد كما يفعل في سياسة العصا والجزرة.

إبقاء السودان تحت لائحة الدول الراعية للإرهاب، وإبقاء بعض العقوبات الاقتصادية دليل أمريكي أن السودان لم تأخذ حقها الكامل من البراءة فلا يزال أمامها الكثير من الوقت لتقديم الكثير من القرابين لواشنطن حتى تحصل على البراءة الكاملة.

فضلا عن ذلك فقد اتخذ واشنطن قراراً بإجلاء وترحيل الرعايا السودانيين من الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار أن الموانع التي كانت سبباً في وجودهم هناك انتهت، وهي عقوبة غير مباشرة ستؤثر على السودان بسبب عودة هؤلاء إلى البلد.

القائم بأعمال السفير الأمريكي في السودان، ستيفن كوتسيس، قال إن هناك اجراءات أخرى (غير العقوبات الاقتصادية) وآليات قابلة للتطبيق، قد تتخذها بلاده، حال تنصل السودان من التزاماته في ما يعرف بالمسارات الخمسة، دون تسمية تلك الاجراءات.

تلك المسارات الخمسة التي حددت بالتعاون مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، والمساهمة في تحقيق السلام بدولة جنوب السودان التي انفصلت عن السودان عام 2011، إضافة إلى تسهيل إيصال المساعدات إلى المتضررين من النزاعات المسلحة بالسودان، وحل الصراعات العسكرية الداخلية في مناطق مثل دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان.

السفير نفسه أكد بأن بقاء السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقضايا داخلية وإجراء اصلاحات اقتصادية تحول دون استفادته من مبادرات إعفاء الديون، مشيراً إلى أن السودان تعرف بالضبط المطلوب منها لإزالة اسمها من تلك القائمة.

عندما سُأل السفير الأمريكي عن موعد حذف السودان من الدول الراعية للإرهاب، أجاب بأن مناقشة الحذف لم يكن جزءاً من خطة المسارات الخمسة التي انخرطنا فيها. وتابع قائلاً "إذا كنتم تتحدثون عن حوار حول هذا الأمر، فإنه لم يحدث بعد"، في إشارة إلى أن أمام السودان مسافات طويلة حتى تحصل على حذف نهائي من الدول الراعية للإرهاب، وبالتالي سيتطلب منها الكثير والكثير.

أمر أخر في غاية الأهمية وهو أن القرارات الأمريكية التي تتخذ لا يعينها انتهاكات حقوق الإنسان ونشر السلام وإيصال المساعدات، بقدر ما هي حسابات سياسية ومصالح خاصة فقط، ولا تنظر إلى حقوق الإنسان في السودان كأولوية.

كل ما تحتاجه الإدارة الأمريكية من السودان هو تعضيد التعاون بين البلدين في ملف ما يسمى الحرب على الإرهاب، وما سوى ذلك من دعايات إعلانية في ملف حقوق الإنسان ليست سوى ذر الرماد . 

ترامب رجل اقتصاد من الطراز الأول، وبالتالي ما يهمه هو كيف يجلب الأموال، وحساب الأرباح وتجنب الخسائر، وبالتالي فإن رفع العقوبات عن السودان يدخل في هذا الإطار.

حسب صحيفة "فورين بولسي" فإن السبب في عدم رفع العقوبات بالكامل عن السودان، هو أنه "باستخدام هذه العقوبات، فضلاً عن حاجة السودان الماسة لتخفيف ديونها الخارجية، قد تكون نقاط ضغط تستغلها واشنطن، حسبما قاله برنستون لايمان، المبعوث الخاص الأمريكي السابق إلى السودان وجنوب السودان".

بالتأكيد أن معاناة 20 عاماً من الحصار جعلت السودان تختار أقصر الطرق لرفع تلك العقوبات التي سببت للبلد أزمات معقدة، وجعلته خارج حساب الميزان المالي العالمي.

 

المصدر/ مجلة البيان



7 + 2 =