إرتريا.. صوت المظلومين يُدوّي
18 صفر 1439
أمير سعيد

ربما لم تتوقع سلطات أسمرا ردة الفعل هذه من أولياء أمور ومدرسي وإداريي وتلاميذ مدرسة الضياء الإسلامي في العاصمة الإرترية، إذ احتشدت الجموع تأييداً لرفض لجنة المدرسة الشروط التي وضعتها الحكومة ومنها:

– تدريس المواد العلمانية وتنحية القرآن والمواد الاسلامية.

– نزع حجاب الطالبات المسلمات.

– إقرار الاختلاط بين الجنسين.

 

لكن ما لم تتوقعه الحكومة الإرترية قد وقع، فانتفض الإرتريون في العاصمة رفضاً لهذا التعدي على آخر قلاع الإسلام في العاصمة الأقرب في العالم إلى مكة المكرمة، والتي أريد لها أن تتنكر لهويتها الإسلامية، وتخضع لإجراءات حكومة إسياس أفورقي المعادية للإسلام والعربية منذ أن جثم على صدور الإرتريين قبل أكثر من ربع قرن أظهر في أرضها الفساد، فسلب أراضي المسلمين وممتلكاتهم، وهمش مناطقهم، تعليماً وتعييناً وصحة وثقافة ولغة واقتصاداً، وحارب دينهم، وأقام الكنائس في مناطقهم، وصادر مساجدهم وضيق على علمائهم ودعاتهم ومدارسهم، وأسكت مآذنهم واعتدى على حرماتهم.

 

غضب الإرتريون المسلمون في قلب عاصمة بلادهم المحتلة من نظام إرتريا الفاشي، وخرج كثيرون تضامناً مع طلاب مدرسة الضياء، المؤسسة الأهلية التي لا تتلقى دعماً من الحكومة وتقدم خدماتها منذ أربعة عقود، وتحافظ على التعليم الديني والمظهر الإسلامي، والذين خرجوا بدورهم احتجاجاً على قرارات الحكومة المصادرة لحريتهم الدينية، والمغتصبة لحقوقهم في ممارسة شعائرهم والالتزام بسمتهم الديني لاسيما الحجاب الإسلامي للفتيات، وغضباً لاعتقال جميع أعضاء مجلس ادارة المدرسة، بمن فيهم الشيخ التسعيني موسى محمد نور رئيس مجلس إدارة المدرسة، وزج معظمهم في سجن كارشيلي سيء السمعة. أصيب من الغاضبين 19 وأوقف 121 وفرضت إجراءات أمنية مشددة في العاصمة أسمرا.

 

لا أحد يريد فوضى واضطراباً في بلاد تعاني بالأصل من أزمات اقتصادية حادة حدت بآلاف من أهلها للهجرة في طرق طويلة حتى المتوسط، وإلقاء أنفسهم في عرض المتوسط نجاة بحياتهم من مطرقة القمع وسندان الإفقار، لا يُستثنى في ذلك "المسيحيون" الذين يعانون كما الأغلبية المسلمة البالغة نسبتها أكثر من 70% من سكان إرتريا، وإن كانوا بدرجة تقل كثيراً في معاناتهم عن المسلمين الذين استثنوا من حكم بلادهم، مذ وصل إسياسي أفورقي ذو الجذور "المسيحية" إلى سدة الحكم قبل 26 عاماً بترتيب دولي نقل المسلمين في إرتريا من حكم "مسيحي"/علماني في إثيوبيا ذات الأغلبية المسلمة إلى حكم "مسيحي"/علماني آخر في إرتريا المسلمة العربية، والتي ترزح فيها تحت حكم أكثر استبداداً من نظيره الإثيوبي. لا أحد يريد فوضى ولا اضطراباً رغم كل هذه المعاناة التي تعيشها الأكثرية المسلمة المهمشة في إرتريا، وتجارب المنطقة تحمل على إيلاء الحكمة أولوية وتقدماً، لكن في المقابل ثمة حقوقاً لا يمكن التنازل عنها لاسيما فيما يتعلق بالدين والهوية، كالصلاة والأذان والحجاب، وفي تشجيع الفتيات على الزواج من غير المسلمين، وتجنيدهن إجبارياً والزج بهن في مواضع الأخطار الأخلاقية والسلوكية، حيث يفترض أن تخرج هذه المسائل من أي تجيير سياسي يمكنه أن يقتات على غزو الإسلاموفوبيا ربوع بلاد الإسلام، لاسيما إذا كان كثيرون يدركون أن اتهامات النظام الإرتري للتعليم الإسلامي في غير محلها بالنظر إلى مبدئية المطالب التي لا يختلف عليها مسلم، والتي حدت بشيوخ التصوف لتأييد هذه الغضبة على الحرمات الإسلامية في بلاد عرفت الإسلام منذ فجره الأول، وحافظت على هويتها على مر العصور.

 

القاهرة كما ستوكهولم وملبورن، العديد من المدن شهدت تضامناً مع المطالب المشروعة للإرتريين المسلمين في ممارسة تعليمهم بحرية ومراعاة خصوصيتهم الدينية، لكن من غير المتوقع أن يلقي النظام الإرتري بالاً بذلك؛ فهو وإن أخذ خطوة قصيرة للخلف، وارتقب هدوء العاصفة الشعبية؛ فإنه بدا عازماً على المضي قدماً في تقويض أسس التعليم العربي والديني في إرتريا عموماً وأسمرا أو "روما الصغرى" – خصوصاً -، مثلما أسماها المحتلون الإيطاليون قبل مائة وعشرين عاماً.

 

والأمر يبدو خطيراً بالتأكيد، إذ تتعدى الإجراءات الحكومية هناك الصعيد السياسي بكل تجاذباته واشتباكاته إلى الغوص في عمق الأسس الإسلامية والأركان الدينية التي لا يمكن للإرتري المتدين أن يفرط فيها تحت أي ظرف أو ذريعة. إرتريا وقد غضب مسلموها لدينهم وهويتهم وخصوصيتهم يحدوهم أمل أن تجد حقوقهم المشروعة سبيلاً للمساندة من حكومات وشعوب العالم الإسلامي. 



3 + 2 =