اضطرابات باكستان وصلتها بالقاديانية
12 ربيع الأول 1439
أمير سعيد

هدأت العاصفة في باكستان، لكن أسبابها لم تزل حاضرة.

الاضطرابات في باكستان حظيت باهتمام إعلامي معقول لاعتبارها حدثاً بارزاً يحمل طابعاً دينياً في بلد مسلم كبير لم يزل يئن من هشاشة الوضع السياسي في أعقاب إقالة رئيس الحكومة المنتخب نواز شريف بعد اتهام السلطات له بالفساد في واحدة من أكثر حالات الإقالة إثارة للجدل في باكستان التي يهيمن الجيش على حكمها منذ الاستقلال.

 

اعتصام طويل قامت به جماعة "لبيك يا رسول الله" صلى الله عليه وسلم، الصوفية، وأغلقت إثره جسرا للطريق السريع الرئيسي الذي يربط بين العاصمة اسلام آباد ومدينة راولبندي المجاورة لمدة ثلاثة أسابيع، وتم فضه طوعاً من قادة الجماعة بعد مفاوضات مع الحكومة أوصى بها الجيش بعد تدخله لفض الاعتصام بالقوة من قبل، وأدى إلى مقتل سبعة وإصابة مائتين، ما أدى بدوره لامتداد التظاهر إلى مدن لاهور وكراتشي، ما أثار مخاوف قوى الأمن والجيش من امتداده وتهديده لخرق الوضع السياسي الهش.

 

أصل المشكلة كما تناولها الإعلام العالمي هو في تعديل وزير العدل الباكستاني صيغة القسم التي يتلوها المتقدمون للترشح للبرلمان لتصبح "أعتقد أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هو خاتم الأنبياء" بدلاً من "أقسم"، ما يتيح لأتباع الطائفة القاديانية الترشح لخوض الانتخابات خلافاً للدستور الباكستاني الذي يعتبر هذه الطائفة خارجة عن الإسلام.

 

انتهت المشكلة باستقالة الوزير حامد زاهد برغم بثه مقطع له يؤكد فيه أنه ليس قاديانياً وأنه وأسرته يفدون النبي صلى الله عليه وسلم بأرواحهم!

 

لكن – كما تقدم – فإن العاصفة هدأت، وبقيت جذور المشكلة ومنبت شرها؛ فالقصة لم تبدأ في تلك الأسابيع المنقضية، وإنما قبل أكثر من مائة وعشرين عاماً حين تبنى الاحتلال البريطاني للهند طائفة القاديانية التي ادعى زعيمها ميرزا غلام أحمد النبوة، زاعماً أنه آخر الأنبياء وليس خاتمهم كما اختلق كتاباً أسماه "الكتاب المبين"، ودعا إلى الانصياع للاحتلال البريطاني الذي كان المسلمون يقاومونه بكل ما آتاهم الله من قوة.

 

وفي الخلفية التاريخية لهذه الطائفة الضالة، تظهر العمالة الواضحة لزعيمها الذي ارتبطت عائلته بالاحتلال البريطاني اقتصادياً بشكل وثيق؛ حيث لم يأل الضال جهداً في محاولته تدجين المسلمين ودعوتهم لإسلام قيادهم إلى البريطانيين المحتلين؛ فجاءت إحدى رسائله إلى الحاكم الإنجليزي في الهند سنة 1898على هذا النحو: "لقد ظللت منذ حداثة سني - وقد ناهزتُ الآن الستين- أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية والنصح لها والعطف عليها، وأنفي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جُهال المسلمين، والتي تمنعهم من الإخلاص للإنجليز (...) أنا مؤمن بأنه كلما كثر عدد أتباعي قلَّ شأن الجهاد، إذ يلزم من الإيمان بي وبأني مسيح أو مهدي إنكار الجهاد، وقد ألفت كثيراً في تحريم الجهاد ضد الإنجليز الذين أحسنوا إلينا، والذين تجب علينا طاعتهم بكل إخلاص".

 

القضية إذن لا تتعلق بتعديل سطحي لصيغة قسم، وإنما اجترار لماضٍ أليم، عينت في أوله بريطانيا قاديانياً كأول حاكم للعراق بعد احتلاله من قبل بريطانيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وآخر كأول وزير لخارجية باكستان بعدما يُسمى بالاستقلال، وهو استمرار لتسلل واضح لأبناء طوائف ضالة كمثل القاديانية التي حرّم زعيمها على أتباعه ودعا المقاومين والثوار المسلمين مقاومة وجهاد الجيش البريطاني لمثل ذلك باعتبار قادة الاحتلال "ولاة أمر المسلمين"! هذا التسلل الذي قاد إلى وجود شخصيات تدين بالولاء للبريطانيين في أرفع المناصب الأمنية حساسية في باكستان لسنين عديدة، وقيل إن منهم برفيز مشرف رئيس باكستان الأسبق بحسب ما تردد إبان حكمه الذي استباح خلالها الأمريكيين القواعد العسكرية الباكستانية باسم مكافحة الإرهاب في أعقاب أحداث 11 سبتمبر.

 

الطائفة القاديانية، التي تسمي نفسها الأحمدية، لم يقل مجمعاً فقهياً إسلامياً واحداً عنها أنها تنتسب إلى الإسلام، ولهذا كان حرص الغرب على تغلغلها في مفاصل الدولة الباكستانية، شأنها شأن طوائف أخرى ترتبط سُرياً بدول الاحتلال و"الاستعمار" حرص دوماً على تسييدها فوق رؤوس المسلمين في كثير من دول العالم الإسلامي.

 

القصة في الحقيقة لم تنته بعد، وما تناوله الإعلام عنها ليس إلا رأس جبل جليدها، أما بقيته فلا يرغب كثير من وسائل الإعلام الغربي وأدواته أن يسبر غورها، خاصة بعد أن وصف بعضه هذه الطائفة التي تحظى برعايته بأنها "مسلمة"، طمساً لحقيقة لا يريد كثيراً أن يجليها، وهي في أبسط مفرداتها تشي بأن وزير العدل المستقيل ليس وحده، فلم يكن إلا أحد أدوات تريد ألا يحكم باكستان سني في النهاية.

 

11 + 2 =