9 رجب 1439

السؤال

أعاني من أب بخيل جداً بالمال عليَّ، وأنا مقدم على ظروف وسن ينبغي لي الزواج فيه والبحث عن زوجة، لكنني فقير وهو غني، وأنا أشعر بتغير نفسي تجاهه، تنغلق معه نفسي عنه، وأكاد أن أكرهه، ما نصيحتكم؟

أجاب عنها:
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

فبر الأب واجب لازم، وطاعة مباركة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ فإن شئتَ فأضِع ذلِكَ البابَ أوِ احفظْهُ" أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، قال القاضي عياض: أي خير الأبواب وأعلاها، والمعنى: إن للجنة أبواباً، وأحسنها دخولاً أوسطها، وإن سبب دخول ذلك الباب الأوسط هو محافظة حقوق الوالد.

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أبرَّ البرِّ؛ أنْ يصل الرجلُ أهلَ وُدِّ أبيه" أخرجه مسلم.

 

قال النوويُّ: وفي هذا فضلُ صلة أصدقاء الأب، والإحسان إليهم بإكرامهم، وهو متضمِّن لبرِّ الأب وإكرامه؛ لكونه بسببه.

 

وإذا كان إحداد النظر إلى الوالد عند بعض السَّلف مِن العقوق، فكيف بما هو أكثر؟! فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: (مَا بَرَّ وَالِدَهُ مَنْ شَدَّ الطَّرْفَ إِلَيْهِ).

وسئل الحسن عن الوالد والوالدة فقال: حق الوالد أعظم، وبر الوالدة ألزم.

 

وبخصوص سؤالك، فدعني أنصحك بأمور:

أولها: إنك مأمور بالإحسان إلى أبيك على كل حال، حتى لو كان كافراً، بشرط ألا تطيعه في معصية، فكيف وأبوك رجل مسلم؟! قال سبحانه: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

 

ثانيها: أنْ تسأل نفسك، كيف لو كان أبوك فقيراً معدماً لا يملك درهماً؟ ألا تكون مسؤولاً عن النفقة عليه؟

فالآن هو ينفق على نفسه وقد خفف عنك هذا الحمل وهذه المسؤولية.. أليست هذه رؤية قد تكون غائبة أيضاً؟!

 

ثالثا: أبوك لم يأمرك بمعصية، لكنه منع عنك ما تحتاج، فصرت الآن في موقف اختبار وامتحان تجاهه، أتصبر وتستمر على برك وإحسانك أم تتغير؟.. فإن تغيرت فكأنك تربط إحسانك له وبرك به بعطائه لك.. وهذا سلوك مرفوض، وصفة المنافقين {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} فاحذر أن توصف بصفاتهم.

 

رابعا: قولك "أكاد أكرهه"، هي مقولة سيئة للغاية، ولا تليق بالمؤمن، وينبغي عليك حذفها من حياتك، والاعتذار عنها، والإقلاع عنها، فهي من تسويل الشيطان ليظفر منك بعقوق والدك.

 

خامسا: أقص عليك موقفاً مختصراً عايشته بنفسي قبل سنين، عن رجل أعرفه كان باراً بوالده، وله والد غني جداً، والولد فقير يكدح ليل نهار، والأب لا يعطيه شيئا.

 

بل كان الأب إذا جاء بيت ابنه فوجد أشياء جميلة وثمينة أخذها، فإذا جاء الابن وسأل، قالت له زوجته أخذها والدك، فيقول: الله يبشرك بالخير، ما دامت أعجبت والدي جزاه الله خيراً..!

 

واستمر على بره بأبيه وعطائه له، حتى توفي والده رحمه الله فصار له من المال شيء كثير، والآن له قرابة ثلاثين سنة يعيش في أفضل حياة، وبورك له في استثماراته، بل أعجب من هذا أن قيّض الله له ابناً يخدمه ويبره ويدير أمواله، قال سبحانه: {إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا}..

 

فاطمئن إذا كانت نيتك صالحة تجاه أبيك فسترزق وتوفق إن شاء الله.

 

لكن احذر أيضاً أن يكون انتظارك للمال هو سبب برك، بل بر والدَك واصبر عليه احتساباً للأجر وطاعةً لله سبحانه وامتثالاً لأمره.

 

سادسا: عليك أن تسال الله الرزق، وأن تصبر على أبيك، ويستمر برك به، وتقطع طمعك فيما عنده، فالله سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو قادر أن يرزقك بما تريد وتحب كما رزقه، قال تعالى: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
د. عمر بن عبد الله المقبل
عبدالعزيز بن باز رحمه الله