18 رمضان 1440

السؤال

السلام عليكم، أنا فتاة أبلغ من العمر ثلاثين عاما ومرت حياتي كلها كانت بيدي وخسرت كل شيء لمرضاة ربي بسبب ذنوبي الكبيرة والعظيمة التي لا استطيع أن اغفرها لنفسي وكلما تذكرتها أشعر برغبة شديدة بالموت، لأنني فعلت جميع الذنوب صغيرة كانت أو كبيرة، وحاولت التوبة مرارا لكن دون جدوى لأن اليأس تملك مني، لا أمل لدي، ولا استطيع أن أكمل حياتي مع هذا الإحساس بالندم والقهر، كما أنني خسرت بر أمي وأبي، أسلمت منذ ثلاث سنوات على قناعة بأن إسلامي سيمحو جميع ذنوبي ويطهرني من الدنس، لكن أشعر أن لا شيء استطاع عمل ذلك، أشعر أنني أقترب من الجنون، أصبحت عصبية المزاج وذلك واضح مع طفلتي الصغيرة التي لم تكمل العامين، ومع علاقتي بزوجي.

أجاب عنها:
أميمة الجابر

الجواب

الابنة الكريمة مرحبا بك في ركب المسلمين، هذه أنجح خطواتك في الثلاثين عاما كلها ولكن عليك أن تجددي أشياء كثيرة داخلك.
 

أولها النية..... أي "نية دخولك في الإسلام" فحاولي بينك وبين نفسك أن تجعلي نيتك لدخول الإسلام استجابة لله، وانتماء لذات الإسلام وجوهره وحقيقته، فالإسلام الحقيقي هو الذي يغير حياتنا ويجعلنا ننظر للدنيا نظرة غير التي كنا نراها قبله، وهو الذي يجعلنا نسعد ولا نشقى، نفرح ولا نحزن، نفوز في الدنيا والآخرة، نسعد بحلاوة اللحظات والثواني التي نعيشها مهما تراكمت الهموم والمشاكل، نسعد بطعم اللقمة التي نضعها في أفواهنا مهما كانت قليلة وبسيطة، نسعد باستنشاق الهواء الذي حولنا مهما كان مليئا بالأتربة، نسعد عندما نرى أولادنا، ونرى أزواجنا، فإن كانت حياتك قبل الإسلام غير ذلك وكانت سببا في وقوعك في هذه المهالك، فالإسلام الحقيقي يجُبُّ ما قبله ويطمسه.
وهو يشعرك بحب الله الواحد الأحد الذي لا شريك له وحب الوصول إليه.

 

والواضح داخلك خير كثير، فكل ذلك الندم والقهر عندك من أهم معاني التوبة الحقيقية لكن ينقصك شيء كبير.. وهو حسن الظن بالله تعالى، فالله تعالى في الحديث القدسي يقول "أنا عند ظن عبدي بي" فلا بد أن تعرفي أن الله تعالى هو الكريم.... الرحمن.. الرحيم.. العفو.. الغفور.. مالك الملك.. الحي.. القيوم.. الذي يراك ويعلم ما بداخلك، لذلك تقربي منه سبحانه بعد هذه التوبة التي أتبعها الندم على ما فات، أيضا حاولي مناجاة الله تعالى واختلي به خاصة في جوف الليل فالله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل يقول هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ " فَلِمَ لا تدعينه؟!!
ربك الذي تركت الماضي كله وقصدت بابه فأكثري من الدعاء والتذلل له فهو سبحانه قريب مجيب الدعاء.

 

أيضا عليك بالاستغفار دائما وذكر الله تعالى واجعلي لسانك رطبا دائما بذكر الله واطردي وسوسة الشيطان الذي يحاول أن يمنعك من إحساسك بنعمة الإسلام، بل ويريد أن يضعف قلبك بهذا التفكير ويهيئ لكي أنه لا فائدة من دخولك بالإسلام أبدا... لا والله إن للإسلام لحلاوة في القلب.
 

كما عليك بفعل الصالحات وإكثار الصدقة والمحافظة على صلواتك في ميعادها ومساعدة المحتاج والأولى بذلك العطف طفلتك الصغيرة لأن لها عليك حق كما علمنا إسلامنا، أيضاَ مراعاة زوجك فله أيضا الكثير من الحقوق عليك فبذلك أمرنا هذا الدين العظيم بل وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث "إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت".
 

ولابد أن تكون الطاعة في كل شيء إلا في معصية الله تعالى فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
 

كما عليك تجديد نيتك بكل عمل تعملينه من خير، وحاولي إرضاء والديك والاعتذار لهما والعطف عليهما والإحسان لهما، لأن إسلامنا الحقيقي هو الذي أمرنا بذلك، فقد قال تعالى فيهما: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء: من الآية23] وأمر بتقديم الحنان لهما وخاصة في كبرهما وذلك من النص القراني {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الاسراء:23-24].
 

هذا هو قرآننا وهذا هو إسلامنا الذي أمرنا بطاعة والدينا وبرهما وخفض الجناح لهما وجعلها واجبة فيما عدا طاعتهما في معصية الله تعالى.
 

الابنة الكريمة حاولي تمزيق الصفحة القديمة من حياتك {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53].
 

فعليك أن تنظري للحياة نظرة الأمل فيما عند الله فعار على المسلم أن يكون ربه الله تعالى ويكون حزيناً، وعار على المسلم أن يكون نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويكون حزيناً، واعلمي أن الله تعالى سوف يفتح بابه إليك ويبدلك الحزن والوحشة والقهر بالفرج والسعادة، حاولي الإحساس بحلاوة الإيمان ولا تجعلي مدخلاً للشيطان إليك، أدعو الله لك الثبات والسعادة في الدنيا والآخرة.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء